ابن حزم
154
جوامع السيرة النبوية
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي ، وكان قد أبى من الدخول معهم في نقض عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنجا ، ولم يعلم أين وقع . فلما نزلت بنو قريظة على حكمه ، صلى اللّه عليه وسلم ، قالت الأوس : يا رسول اللّه ، قد فعلت في بنى قينقاع ما قد علمت ، وهم حلفاء إخواننا الخزرج ، وهؤلاء موالينا . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى . قال : فذاك إلى سعد بن معاذ . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة في المسجد ، تسكنها رفيدة الأسلمية - وكانت امرأة صالحة تقوم على المرضى ، وتداوى الجرحى - ليعوده النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من قريب . فأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى سعد ليؤتى به فيحكم في بني قريظة ، فأتى به على حمار ، وقد وطئ له بوسادة أدم ، وأحاط به قومه ، وهم يقولون : يا أبا عمرو ، أحسن في مواليك . فقال لهم سعد : قد آن لسعد ألا تأخذه في اللّه لومة لائم . فرجع بعض من معه إلى ديار بنى عبد الأشهل ، فنعى إليهم رجال بني قريظة ، فلما أظل سعد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال للمسلمين : قوموا إلى سيدكم . فقام المسلمون ، فقالوا : يا أبا عمرو ، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم . فقال : عليكم بذلك عهد اللّه وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا : نعم . قال : وعلى من هاهنا - في الناحية التي فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو معرض عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إجلالا له - فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نعم . قال سعد : إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذراري والنساء . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة « 1 »
--> ( 1 ) الأرقعة هنا هي السماوات السبع واحدها رقيع وسميت بذلك لأن بعضها يرفع بعضا . وقال بعضهم الرقيع السماء الدنيا لا غير ، وكأنها رقعت بالنجوم .